الساعة تقترب من الرابعة.
منذ يومين مضيا وأنا ينتابني صداع قوي في منطقة خلف الرأس وأشعر بآلام قوية في الرقبة. كان من المفروض أن نذهب في يوم الجمعة إلى والدتي في الجيزة. ونظرا لحالتي الصحية والصداع الذي كان عندي والقيء الذي حدث لي في مساء الخميس رجوت زوجتى قبل ظهيرة هذا اليوم أن تأخذ البنتين وتذهب بهما إلى والدتي. ومن عجائب القدر ورحمة الله بعباده في هذا اليوم أن قامت نهلة زوجتي بالاتصال بوالدتي قبل تحركها، فقالت لها والدتي: لا يا نهلة، جوزك تعبان خليك جنبه، وإحنا حنيجي نزورك. كانت هذه أولي لطائف الأقدار في هذا اليوم.
أخبرتني نهلة بمضمون هذه الرسالة من أمي، فرجوتها مرة أخرى أن تأخذ البنتين وتخرج بهما لأرتاح قليلا. فكان أن فعلت في حدود الساعة الثالثة والنصف ذلك فعلا، حيث أخبرتني أنها ستنتهز الفرصة وتشتري لهما بعض الملابس. قامت نهلة فعلا بمساعدتهما في ارتداء ملابسهما، وكانت على وشك مغادرة الشقة والنزول، إلا أن سلمى، التي لم يكن من عاداتها الاعتراض على ما تلبسه، رفضت الخروج بالبنطلون الذي ارتدته، وأرادت أن تلبس "جيبه" بدلا من البنطلون. نزلت نهلة على رغبتها ودخلت لتلبسها الجيبه التي تريدها. في هذه اللحظة أتت نهلة لتسألني عن أحوالي، وكان فيما يبدو نزيف المخ قد بدأ، إذ بدأت أفقد وعيي وإن لم أغب تماما عن الوعي. قلت لها:
لأ، أنا مش حاسس نفسي كويس.
قلت الجملة وبدأ عندي ما يسمونه في الطب "تدهور في الوعي"، حيث بدأت أفقد التركيز والإدراك.
ولولا أن سلمى اعترضت على ملابسها، ولولا أن زوجتي تمهلت حتى تبدل لسلمى ملابسها، لربما لم تكتب لي النجاة، إذ لو كان حدث لي هذا النزيف وزوجتي في الخارج مع البنتين، وأنا في حالة "تدهور الوعي" التي كنت فيها، وعادت بعد ساعتين أو ثلاث لربما كان آوان إنقاذ حياتي قد فات. وهذه ثاني لطائف الأقدار في هذا اليوم.
أسرعت نهلة باخراج مريم وسلمى من الشقه إلى شقة والدها ووالدتها اللذان يسكنان فوقنا مباشرة، بعدها اتصلت نهلة بابن عمتها الذي يعمل طبيبا، والمقيم بالمقربة منا في التجمع الخامس ، حيث تصادف وجوده في ذلك الوقت في القاهرة، إذ أنه يعمل خارج القاهرة ويأتي أحيانا إلى القاهرة لقضاء عطلة نهاية الأسبوع. أتى د. طارق وكشف علىّ سريعا ووجد ضغط دمي مرتفعا للغاية، فأخبر نهلة بضرورة استدعاء سيارة الإسعاف بأسرع ما يمكن. وكان وجود د. طارق في هذا التوقيت هو ثالث لطائف الأقدار في هذا اليوم.
اتصلت زوجتي بالإسعاف، لكن أحدا لم يرد. حاولت نهلة بمساعدة د. طارق إنزالي إلى الشارع لتوصيلي إلى أي مستشفى بسيارته الخاصة. لكني كنت ضخما جدا عليهما. جرت زوجتي ناحية الشباك وطلبت مساعدة بعض العمال الذين يعملون في بناء عمارة مواجهة لمنزلنا أن يأتوا ليساعدوها في إنزالي. وهنا تحكي لي نهلة عن موقف لا تستطيع نسيانه ، وهو تعبير عن شهامة البسطاء في مصر. كان من بين العمال أحد المعوقين الذي عنده إصابة في قدمه، لكنه أصر على المساعدة في محاولة إنزالي بكل ما أوتي من طاقة.
بعدها بقليل استطاعت زوجتي الاتصال بالاسعاف والذي تصادف تمركز سيارة له عند أكاديمية مبارك للشرطة في التجمع الخامس، وهي لا تبعد كثيرا عن المنزل الذي نقطن فيه، فكان أن وصلت سيارة الاسعاف بعد خمس دقائق من اتصال زوجتي وهو أمر كان حاسما في سرعة نقلى إلى مستشفى عين شمس والتعامل مع أزمتي الصحية. وهذه كانت رابع لطائف الأقدار في هذا اليوم.
حكت لي نهلة أنها نزلت تنتظر سيارة الإسعاف على الشارع الرئيس، وحدثتهم في التليفون المحمول تستعجل قدومهم، ونزلت منها الدموع رغما عنها، فتقدم منها رجل عجوز وسألها: 0
-أنت بتعيطي ليه يا بنتي، هو أنت تايهه؟
- لأ، بس أنا مستنية سيارة الإسعاف لإن في مريض وحالته حرجة
- طيب وليه تستني سيارة الإسعاف، إحنا نيجي بربطة الرجالة وننقلك العيان في عربيتنا
شكرت لهم زوجتي شهامتهم ، حيث أتت في هذه اللحظة سيارة الإسعاف.
من القرارات المصيرية التي تمت أيضا في ذلك اليوم وتصب في خانة "إدارة الأزمات"، كما يُطلق عليها في علمي الإدراة الحديثة والسياسة الحديثة، أن زوجتى أصرت على نقلي إلى مستشفى عين شمس بالعباسية، برغم اقتراح سائق سيارة الإسعاف نقلي إلى مستشفى آخر قريبا في مدينة نصر التي يوجد بها عديد من المستشفيات، ولو كنت نقلت لأي مكان آخر لم يكن به التجهيزات الكافية كمستشفى عين شمس لربما كان قد قضي الأمر.
في حدود الساعة الخامسة والربع تم نقلي إلى مستشفى عين شمس حيث تم إجراء أشعة مقطعية على المخ واكتُشف اصابتي بنزيف حاد في المخ. حاول الأطباء التعامل مع النزيف بالأدوية في بادئ الأمر ولكن بعد مرور وقت بلا تحسن اتخذ قرار التدخل الجراحي لانقاذ حياتي، وقد كان، دخلت غرفة العمليات في الساعة الواحدة من صباح يوم 8 أبريل، حيث تم تركيب صمام مخي بريتوني، وهو عبارة عن صمام يركب في إحدي التجاويف الموجودة في الجمجمة على الجانب الأيمن بغرض تصريف السائل النخاعي الزائد عن طريق خرطوم يمتد من عند الجمجمة مرورا بالرقبة، وبالغشاء البريتوني لينتهي في تجويف البطن. وتم زرع هذا الصمام عندي نظرا لحدوث ارتشاح دموي إدى إلى انسداد قنوات التصريف في المخ، وهي القنوات المسئولة عن تصريف السائل النخاعي الزائد من المخ، بحيث لا يحدث ضغط زائد على المخ يؤثر على وظائفه وقد يؤدي إلى حدوث انفجارات جديدة لأوعية دموية أخرى في المخ.
بعد العملية نقلت إلى العناية المركزة حيث تم توصيلي بجهاز التنفس الصناعي لمدة ثلاثة أيام كاملة ما بين الحياة والموت في ظل إصابتي بغيبوبة كاملة. أخبر الأطباء أهلي أنه ليس في مقدور أي إنسان فعل أي شيء لي سوى الدعاء أن أفيق سريعا، وربما زاد الأمر وطأة أنني كنت أرقد في نفس الغرفة التي كانت ترقد فيها الراحلة سعاد نصر رحمة الله عليها.
إنها أيام كلما تتذكرها زوجتي أجدها تتنهد تنهيدة لا أعرف كيف يمكن أن أصفها، لكنها تنهيدة تختزل بداخلها كل الهموم والآلام التي عاشتها في تلك الأيام وأجدها بكل الإيمان تقول مع ذلك: الحمد لله، قدر ولطف.














