تأمل معي
وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم ، والله يعلم وأنتم لا تعلمون ... سورة البقرة 216
----------------------------------------------------------------
تم تحديث التدوينة بإضافة تعليق عن سبب سماعي النداء الأخير تجدونها في آخر التدوينة
----------------------------------------------------------------
- والصمام دا حيفضل يعمل مشاكل على طول كده؟
- شوف، كل حاجة كانت ماشية معاك زي ما الكتاب بيقول، لحد ما حصل موضوع الزايدة، وحصل التلوث، لأننا ما بنصدق نقفل على الصمام ونسيبه في حاله!!! لكن الصمام حيفضل راكب، إلا إذا ... 0
- إلا إذا ايه يا دكتور؟
- إن ربنا يحلها من عنده.
- بإيه يا دكتور، بالموت؟
- بعد الشر عليك، لأ، بإن المسدود يتسلك، ومتبقاش محتاج للصمام.
- ودا ممكن يحصل؟
- طبعا ممكن، لكن مش بالضرورة يحصل.
دار هذا الحوار على باب العيادة قبل سفرنا إلى ألمانيا ، ربما في أحد أيام شهر اكتوبر من عام 2006 ، وأنا أودع الأستاذ الدكتور أحمد زهدي، هذا الطبيب العميق في إنسانيته والعميق في طبه. 0
ربما قد تسألون، زائدة، زائدة ايه؟ منعرفش حاجة عن الزائدة دي. فأقول لكم، هي ليست معلومة زائدة، بل أساسية في فهم عنوان هذه التدوينة. فالذي حدث أنه بعد خروجي من مستشفى عين شمس في يوم 13 مايو 2006 خروجا نهائيا، عدت إلى المنزل، والشيء المذهل على قدمي، بدون أضرار حقيقية تذكر، اللهم إلا بعض الدوار وعدم الاتزان بعض الشيء. ولابد أنه كان دعاء أمي وصلاتها ودعاء زوجتي وصلاتها، وصلاة أهلي وأهل زوجتي ، الذي دحض ما كان لدى الأطباء من ظنون تجاهي تقترب من درجة اليقين، حيث كان معظم الأطباء ينطلقون من عاهة مستديمة ستحل بجسدي بأي شكل من الأشكال، بدءا من اضطراب في النطق، مرورا بشلل في أحد أعضاء الجسم، انتهاء بعقدي لصداقة من نوع جديد مع الكرسي المتحرك الذي كان من المقرر أن يرافقني أينما أكون. 0
كان كل شيء يسير في مساره الطبيعي، بدأت أتعافي بعض الشيء، لا تزال هناك صعوبات في الاتزان، رغبة شديدة في النوم، تعب وخمول، إلخ، فلا يجب أن ننسى أنه كان نزيفا في المخ. 0
قبل يوم 29 يونيو 2006 بثلاثة أو أربعة أيام بدأت أشعر بكركبة بشعة في بطني، وبدأت أحاول التحايل عليها بالمسكنات ومسكنات البطن، لكن بلا فائدة، وهذا درس آخر: التوجه للطبيب أفضل من أن تكون طبيب نفسك. وفي يوم 29 يونيو 2006 كان أبي وأمي وأختي شيماء في زيارة لنا وذهبنا سويا مرة أخرى لمستشفى عين شمس، في الساعة العاشرة مساء، وبعد كونسلتو من الأطباء واستدعاء أستاذ جراحة أتضح أن عندي التهابا في الزائدة الدودية ولا بد من التدخل الجراحي فورا. وقد كان. 0
بعد العملية عرفت أنه كان التهابا مزمنا، أي أن الزائدة كانت ملتهبة من سنوات، ولم يظهر إلا في هذه اللحظة، أو ربما تسبب الخرطوم الذي كان في بطني في هذا الإلتهاب الشديد، لا أحد يستطيع الجزم على وجة التحديد. وكان السؤال الذي سيطر علينا جميعا، وإن لم نصرح به علنا هو: يا ربي، إحنا ما صدقنا يخرج من المستشفى، يقوم يرجعلها تاني. 0
ولم يقف الأمر عند ذلك، حيث حدث نتيجة للالتهابات العنيفة التي كانت في البطن أن انسد خرطوم التصريف وكان على الدخول المستشفى من جديد لتسليك الصمام، وكان ذلك في يوم ثورة يوليو المجيدة، أي يوم 23 يوليو 2006. كنت أظن أن التسليك سيكون عن طريق فتحة في البطن وينتهي الأمر عند ذلك، لكن التسليك كان كأنه عملية تركيب صمام من جديد، فتحة في الجمجمة بشنيور طبي، وفتحة في البطن لإيجاد مسار جديد للخرطوم ... 0
ثم حدث أن أُخذ من رأسي عينة من السائل النخاعي بواسطة حقنة في المخ لتحليلها، فإذا بالإطباء يجدون في التحليل ميكروبا لعينا اسمه ستافيلوكوكوس، وهو يسمى ميكروب المستشفيات، من كثرة اعتياده على المضادات الحيوية أصبح عنده مناعة قوية ضد أغلبها، وكان على دخول المستشفى من جديد للعلاج من هذا الميكروب. استمر هذا الوضع ما بين دخول المستشفى و الخروج منها إلى أن اقترب موعد سفر زوجتي إلى ألمانيا لتحضير رسالة الدكتوراه الخاصة بها. وكان علينا اتخاذ قرار إما بالسفر إلى ألمانيا أو الاعتذار عن المنحة. ولكننا قلنا لأنفسنا في نهاية الأمر: رب مصر هو نفسه رب ألمانيا، والخدمة الطبية في ألمانيا إن لم تكن أحسن من مصر فلن تكون أسوأ. وقد كان، سافرنا إلى ألمانيا في يوم 15 أكتوبر 2007. 0
كان الجرح الذي في بطني بالمقربة من السرة لا يريد الالتئام، يقفل، ثم ينفتح، ثم يقفل، ثم ينفتح مرة أخرى، وهكذا. وفي أحد الأيام في شهر أبريل 2007 رأيت شيئا لونه أبيض من تحت الجرح، وذهبت إلى طبيب الأسرة الخاص بي، فقام بتحويلنا فورا إلى قسم جراحة المخ والأعصاب بمستشفى مدينة كارلسروها، حيث كشف علي بروفسير شبتسجر، وبعمل الأشعة على البطن والمخ تبين أن الشيء الأبيض الذي أراه من تحت الجرح المفتوح هو خرطوم التصريف الممتد من المخ. كان لا بد من التدخل فورا، مخافة حدوث تلوث في الجرح ينتقل إلى الجسم كله. وكان رأي بروفسير شبتسجر عندما رأى الأشعة، أنه ربما قد لا أكون في حاجة إلى الصمام مرة أخرى. 0
وعليه دخلت غرفة العمليات من جديد في يوم 2 أبريل 2007 حيث تم في بادئ الأمر قطع طرف الخرطوم من عند الرقبة وتخييط بقيته بغرز جراحية، ثم تم سحب بقية الخرطوم من البطن، ليصبح هناك الصمام فقط، بدون خرطوم التصريف. 0
في اليوم التالي، أي يوم 3 أبريل 2007 تم تصوير الأوعية الدموية في المخ (أنجيوجرافي) وذلك للمرة الثالثة، وهو نفس الفحص الذي اجري لي في القاهرة مرتين لتحديد ما إذا كنت مصابا بتمدد الشرايين أم لا. بعدها بيوم تم اخراجي من المستشفي وعدت إلى المنزل في يوم 4 أبريل 2007. 0
في يوم 10 أبريل 2007 توجهنا للمستشفى لفك غرز الخياطة التي في الرقبة، وبعدها بيوم أي في يوم 11 أبريل 2007 لاحظت نزول سائل وافرازات من عند مكان الجراحة في الرقبة، فتوجهت ثانية إلى المستشفى، فكان القرار بالتدخل الجراحي فورا لاستخراج الصمام من الجمجمة لتلوثه، وهذا درس آخر : عندما يساعدك الله ويتولى عنك اتخاذ القرار ولا يترك أمامك أي خيار، إذ انه كان هناك رأيان متعارضان سببا لنا الحيرة: رأي يقول بترك الصمام لأنه ربما يكون قد تكون حوله أنسجة واستخراجه قد يسبب تلفا ما، وما بين رأي يرى ضرورة استخراجه تفاديا لمشاكل في المستقبل قد لا يمكن التعامل معها. وها هو ذا الله يحسمها من عنده. وبالفعل أجريت عملية استخراج الصمام في يوم 12 أبريل من عام 2007. 0
بعد الإفاقة من العملية ظهر على أعراض وجود ضغط زائد من السائل النخاعي على المخ، حيث كنت أشعر بصداع فتاك لا يمكن وصفه، وزغللة في العينين وقيء متواصل. تم تركيب درنقة قطنية (وعاء بلاستيكي كان يصرف فيه السائل النخاعي من المخ بواسطة خرطوم في القناة القطنية في الظهر) . في هذه اللحظة لم يتطرق الشك إلى نفسي أن تشخيص البروفسير شبتسجر كان خاطئا، وقلت لنفسي، الحمد لله على كل شيء وعلى الأقل سيتم تركيب صمام ألماني الصنع بدلا من الصمام القديم صيني الصنع الذي كان في رأسى . وبدأت اهيأ نفسي على موضوع تركيب صمام جديد. وأنا في هذه الأفكار جاء أحد الأطباء ليستعجل زرع صمام جديد ويرى أنه لا فائدة من الانتظار. ولكن كان هناك طبيب آخر، قال لي: لا يزال الأمل قائما في عدم احتياجك لصمام جديد، لأن أعراض ضغط السائل النخاعي على المخ تتشابه أيضا مع أعراض الالتهاب السحائي، فنحن سنعالج أولا الإلتهاب السحائي ثم نرى . 0
وقد كان هو فعلا أهون الضررين، أصبت بإلتهاب سحائي، وهو مرض يصيب الأغشية التي تغطي الدماغ والنخاع الشوكي والتي تعرف باسم السحايا، كما يصيب السائل الدماغي الشوكي الذي يحيط بالدماغ والنخاع الشوكي. وهو مرض خطير جدا وله مضاعفات قد تؤدي الى الشلل والصمم وضعف العضلات والتخلف العقلي والعمى. المهم بعد علاج اسبوعين تقريبا تحسنت حالتي وشفيت من الالتهاب السحائي. وفي يوم 28 أبريل تم اغلاق الدرنقة، لتجربة ما إذا كانت قنوات التصريف في المخ قد عادت للعمل أم لا؟ ولا يمكن أن أصف مشاعري في أول يوم بلا صمام، وبلا خرطوم تصريف، وبلا درنقة. إنه شعور السقوط بين موجتين، موجة عاتية من اليأس لفشل تلك التجربة إذ أن الأعراض التي كانت عندي لم تدع لي تقريبا مجالا للشك أنني بحاجة إلى صمام جديد، وموجة ضعيفة جدا من الأمل والرجاء. ومرت علي ثلاثة أيام، ربما أطول فترة انتظار في حياتي، والحمد لله بدون صداع أو زغللة أو قيء وكلها كانت علامات إيجابية على عودة قنوات التصريف في المخ لعملها من جديد، لذا قرر الأطباء في يوم 2 مايو 2007 خلع الدرقنة تماما، حيث ظللت في المستشفى حتى يوم 6 مايو 2007 بدون مضاعفات فقرر الأطباء اخراجي. 0
والآن بعد مغادرة المستشفى في شهر مايو 2007، وحتى هذا اليوم سارت الأمور كلها على ما يرام، والآن أعود لأتامل بكل خير التهاب الزائدة الدودية الذي أصابني، إذ لولاه ولولا انسداد خرطوم التصريف والتلوث بالميكروب الذي أصابني وما تلى ذلك من عدم رغبة الجرح في الاندمال لربما عشت بقية عمري بصمام في المخ، وخرطوم في البطن وقلق مستمر. والآن أعود لأتذكر كلمة د. أحمد زهدي:
- شوف، كل حاجة كانت ماشية معاك زي ما الكتاب بيقول، لحد ما حصل موضوع الزايدة، وحصل التلوث، لأننا ما بنصدق نقفل على الصمام ونسيبه في حاله !!! 0
فعلا، الإنسان عدو ما يجهل.
وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم.
----------------------------------------------------
تحديث
تعليق على النداء الأخير
في أول اسبوع لي في قسم العناية المركزة بعد إصابتي بنزيف المخ وكان كثيرا ما يحدث لي تدهور في الوعي، جاءت بعض زميلاتي من القسم لزيارتي، وكان الدخول إلى داخل قسم الرعاية المركزة ممنوعا، و حكت إحداهن كيف أن بعضا من طلبة قسم اللغة الألمانية تجمعوا في أحد الأيام للصلاة من أجل شفائي. وكان أن سمعت إحدى الممرضات هذه الحكاية فقالت لأهلي الذين كانوا يقفون مع زميلاتي:
- ده خبر حلو، ولازم دكتور ضياء يعرف بيه، لأنه حيحسن من معنوياته
فقال لها أهلي:
- أزاي، دا غائب عن الوعي
فردت الممرضة:
- مش معنى إنه غائب عن الوعي إنه ما بيسمعش اللي بيحصل حواليه، عشان كده لازم نبلغة بالخبر ده
وقد كان. توجهت الممرضة إلى وهمست في أذني بهذا الخبر. وبشكل أو بآخر استقبلت أذني هذه المعلومة، وخزنها عقلي الباطن وبرحمة الله سبحانه وتعالي في يوم الفحص هذا وفي حالة القلق التي استشعرها من حولي نقل عقلى الباطن هذه المعلومة إلى عقلي الظاهر فكان النداء الأخير الذي سمعته. 0