قال لي صديقي الألماني الذي يدرس الاستشراق هنا في ألمانيا: الإسلام دين له هياكل ديكتاتورية، يؤسفني أن أقول لك هذا لكنها الحقيقة التي لا بد أن تراها.
أنا في هدوء: كيف؟
هو: الديكتاتورية في تعريفها البسيط هي حكم الفرد دون الرجوع إلى المجموع، وهذا الشكل من أشكال الحكم اصيل في الإسلام
أنا: وما دليك على هذا؟
هو: انظر كيف يتم تمهيد المسلم على هذا النمط الديكاتوري منذ الصغر، في علاقتة الطفل مع والديه
أنا: فعلا؟
هو: ألا يبدأ عندكم عقوق الوالدين بكلمة "أف"، وهي كلمة للتضجر، أي أن أي مخالفة للوالدين تدخل في إطار العقاب الآلهي، وهي تدريب إسلامي على تقبل الديكتاتورية وصبغها بصبغة دينية.
ابتسمت، ولم أعقب.
ابتسم ابتسامة المنتصر وعقب قائلا: أراك لا تعقب، أهو اقرار بالسكوت كما يقال في الشرع عندكم؟
أنا: هل تعرف كثيرا عن المترادفات؟
هو: المترادفات في اللغة، أي الكلمات المتشابهة أو القريبة في المعنى من بعضها البعض ولكن التي يوجد بينها مع ذلك فروق بشكل أو بآخر في المعنى؟
أنا: إذن تعرفها، هكذا أفهم من تعريفك لها.
هو: نعم، ولكن ماذا دخل المترادفات في موضوعنا؟
أنا: لننظر إلى الآية التي وردت فيها عبارة "فلا تقل لهما إف ولا تنهرهما"، وسألته بدوري، هل تعرف في أي سورة هي؟
هو: لا
أنا: لا تعرف في أي سورة وردت الآية وتتحدث عنها؟
هو مبتسما: وما أهمية أن أحفظ ذلك، في خلال دقيقة سأستخرج لك موضعها من القرآن، هذه القواعد التي وضعها علماء الفقه عندكم من ضرورة حفظ القرآن، ومن ضرورة حفظ عدد هائل من الأحاديث عن ظهر قلب بسلسلة الاسناد الخاصة بها، لم نعد في حاجة إليها في عصر التكنولوجيا، فتلك الشروط وضعوها بديلا عن التكنولوجيا الغائبة في زمنهم، وكان الحفظ عن ظهر قلب هي الوسيط الشائع للمعلومات في ذلك العصر وتلك الآفة ، آفة الحفظ، توارثتموها من السلف كما تسمونهم دون أن تفهموا السبب من وراءها فتعطلت العملية العقلية عندكم تعطلا شديدا ، ولكننا لم نعد في حاجة لهذه الشروط في عصرنا الحالي، ما نحتاجه هو الفهم والعقل، أما الحفظ فأمر نحتاج إليه تربويا في أضيق الحدود.
أنا: لم اسألك عن حفظها لتقول لي كل هذا، فقط سألتك عما إذا كنت تعرف في أي سورة وردت تلك الآية؟
هو: حسنا، حالا سأقول لك.
فتح كمبيوتره المحمول وفتح برنامجا خاصا بالقرآن الكريم وكتب بضعة كلمات في نافذه البحث ليقول لي:
سورة الإسراء الآيتين ثلاثة وعشرون وأربعة وعشرون.
هو: أرايت؟ لقد ربط القرآن عبادة الله بالاحسان بالوالدين وأمرنا الا نقل لهما "أف" ولا أن ننهرهما، فأي هياكل ديكتاتورية يدعو إليها القرآن إذن إلى ترسيخها في الحياة الأسرية؟ لا نقاش ولا حوار ولا معارضة، إنها الديكتاتورية بعينها.
أنا: وكيف قفزت إلى هذه النتيجة؟
قال لي: الآيات أوضح من أن تقول لي هذه الجملة، فالقرآن يطلق يد الديكتاتورية للوالدين في مواجهة الأبناء، وبالتالي هو تعويد على قبول الحكم الديكتاتوري منذ نعومة الأظفار، كما أنك ستجد آلاف المواقع الدينية على شبكة الانترنت التي تتحدث عن عقوق الوالدين والعقاب الذي ينتظر العاق لوالديه، ومن بين علاماته حتى صدور كلمة "آف" هذه التي وردت في القرآن.
أنا: الخطأ فيما وصلت إليه وربما غيرك من تفسير أنك أهملت الفروق اللغوية بين المترادفات.
هو: كيف؟
أنا: أن تسوي بين الوالدين وبين الأبوين، وهناك فروق بينهما.
هو: كيف؟
أنا: الوالد والوالده مشتقتان من كلمة ولد، أي أن الكلمة تركز اساسا على علاقة الولادة بين فردي الأسرة الوالد والمولود، أي على الجانب البيولوجي من الأمر، في حين أن كلمة أب مشتقة من كلمة آب، أي عاد، وهي تعني العودة والرجوع وكأن الأب هو الملاذ الذي ترجع إليه وتحتمي به وهو المرجعية التربوية لك، ولذا ليس بالضرورة أن يكون كل والد أبا ولا أن كل أب كان هو والدك. ونفس الحال مع الوالدة والأم، فالوالدة هي كلمة للتعبير عن العلاقة البيولوجية، أما الأم وهي مشتقة من فعل "أمّ" بتضعيف الميم، والذي من بين معانية "قصد" و "أراد"، أي قريبة تماما في معناها التربوي والنفسي من المعاني التي تحملها كلمة الأب نفسها.
هو: واين دليك على اطروحتك هذه؟
أنا: القرآن والحديث الشريف أنفسهما.
هو: كيف؟
أنا: هناك حديث صحيح عن الرسول صلعم إليك نصه: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، من أحق الناس بحسن صحابتي ؟ قال : ( أمك ) . قال : ثم من ؟ قال : ( ثم أمك ) . قال : ثم من ؟ قال : ( ثم أمك ) . قال : ثم من ؟ قال : ( ثم أبوك ) . . انظر إلى الصياغة: الأم والأب، ولم يقل الرسول الوالدة والوالد، لأنه يقصد المعنى النفسي من وراء الكلمة، أي من اعطيا لك هذه المرجعية النفسية، ولم يكن الرسول يقصد بداهة الجانب البيولوجي من الكلمة. ولذا فأنا أدخل في هذا الحديث أي شخص تولى تربيتك وكان لك المرجعية التربوية والنفسية، سواء اكان من ولدك أم لا. ولذلك لا نقول في اللغة العربية "الوالد الروحي"، بل فقط "الأب الروحي"، لان اللغة العربية تفرق بين الوظيفة البيولوجية والوظيفة التربوية، فالأولى مختص بها الكلمات والد ووالده، والثانية أب وأم.
هو: لم انتبه إلى هذا الفرق من قبل، ولكن ما دليك من القرآن على هذا الاختلاف في المعنى؟
أنا: عندنا في سورة مريم آية تتحدث عن سيدنا ابراهيم وأبيه وليس والده، إذ كان هذا الشخص هو من تولى تربيته ولذا تحتمل الآية أن يكون هذا الشخص والد سيدنا ابراهيم وابوه في نفس الوقت أو يكون الشخص القائم بالتربية بصرف النظر عن الارتباط البيولوجي بينهما. ولكننا سنرجع ثانية إلى هذه الآيات مرة أخرى في سياق الديكتاتورية المزعومة عن الإسلام، فذكرني بها إذا تكرمت.
هو: حسنا، ولكن ما دخل هذا الاختلاف اللغوي بما افترضته انا من سيادة الهيكلة الديكتاتورية على بناء الحياة الإسلامية؟
هو: تفضل
أنا: الآيات تقول: إما يبلغنك عندك الكبر أحدهما أو كلاهما، فلا تقل لهما اف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما.
هو: صحيح، ثم ماذا؟
أنا: عدم التبرم وعدم الاعتراض والأمر بالقول الكريم مشروطة بالكبر، وهو أمر واضح من الصياغة اللغوية في الآية بجملة الشرط إما ... و "فاء" الشرط ... وقد خصت الآية مرحلة الكبر، لانها يحدث فيها من الناحية الطبية تغيرات في جسم الإنسان وتبدأ الشرايين في الضيق، ومن بينها شرايين المخ، وبالتالي تقل كمية الدم الواردة إلى المخ، وبالتالي تقل قدرة الإنسان على الأداء العقلاني السليم، وبالتالي على اصدار الاحكام العقلية السليمة، التي هي أساس أي نقاش جدلي يكمن أن يوصلنا لنتيجة مشتركة. وفي مرحلة الكبر هذه يميل الإنسان أكثر إلى النقاش العاطفي الذي يحتمل دائما الصواب والخطأ في نفس الوقت، إذ انه تعبير عن العاطفة وليس العقل، فهو لا يقوم على نموذج الفرضية والفرضية المضادة في محاولة للوصول إلى فرضية وسطية تتفرع عنها من جديد فرضية وفرضية مضادة ليتفرع منها من جديد فرضية وسطية ...
هو: أراك تقصد جدلية هيجل؟
أنا: نعم، وتلك الجدلية الهيجلية هي أساس أي نقاش عقلاني، وهو شكل من أشكال النقاش لم يعد الوالدان قادران على القيام به لاسباب بيولوجية ليس لهما يد فيهما، ولذا انتفت عنهما في هذه المرحلة السنية صفة الأبوين واصبحت مجرد علاقة بيولوجية عبر عنها بكلمة الوالدين.
هو: حسنا، ولكن ما ارتباط هذا بعدم التأفف منهما أو نهمرهما أو القول لهما قولا كريما؟
أنا: علم نفس التفاوض يقدم لنا الإجابة.
هو: كيف؟
أنا: علم نفس التفاوض يفرق بين ثلاث مراتب للتفاوض :
هو وقد بدأ الضيق يتسرب إليه: ثم ماذا ؟ ثم ماذا؟
أنا: ولذا كان الأمر القرآني لنا بالتوقف عن ابداء التبرم ونهر الوالدين، لأنهما بوصفها "والدين" اصبحا غير قادرين على النقاش الجدلي، وبالتالي فأنت في المرتبة الثالثة من مراتب التفاوض التي لن تصل فيها مع امتداد التفاوض إلى أي تقدم، بل ستكون النتيجة الحتمية هي فقدان المشاعر الطيبة التي تحملها للطرف الآخر. وبالتالي ايقاف النقاش، بعدم الدخول فيه من اساسه، هو أفضل وسيلة، من منظور علم نفس التفاوض، ولذا تنصحنا الآية القرآنية في الختام إلى أن نقول لهما قولا كريما، أي أن نخاطب الجانب العاطفي فيهما بشكل خاص، وهناك تعبير عندنا في اللغة المصرية يقول: أكل بعقلهم حلاوة ...
هو: وماذا يعني هذا؟
أنا: أن تغلب العاطفة على العقل وتحاول تعويض الطاقة العقلية بطاقة تعبيرية عاطفية، لتكسب مشاعر الطرف الآخر، وليس عقله.
هو: هلا ضربت لي مثالا على كلامك هذا؟
أنا: سافترض أن العمر تقدم بوالدي وكنت في زيارة عندهما ووجدت والدتي مثلا تقول لي: من وقت ما اتجوزت ما بقيناش نشوفك، وما بقاش اكل امك يلذ ليك !!! ومن الواضح أن هذا الكلام عاطفي وليس هناك جدوى من اخضاعه للنقاش العقلاني، وبالتالي أفضل وسيلة للحفاظ على الجانب الإنساني بيني وبين والدتي هو عدم مناقشتها من اساسه وربما تجاوزه بمقوله مثل: هو أنا يا ست الحبايب ابتدى يجيلي مغص إلا من بعد ما سبت أكلك الصحي اللذيذ.
هو: إذن أن ترى أن الآية تعبر عن حالة عبر عنها لاحقا علم نفس التفاوض وليس ضوءا أخضر لديكتاتورية الوالدين التي تواصل الأنظمة السياسية الديكتاتورية عندكم في الشرق العربي المسلم ممارستها عليكم لاحقا بعد أن يكون الوالدان قد هيأ الأبناء على قبول الديكتاتورية السياسية من خلال تقبلهم الديكتاتورية الأسرية؟
أنا: نعم هذا ما اقصده تماما، فالآية ليست تعبيرا عن الديكتاتورية، بل هي تأكيد على المشاعر الإنسانية التي بجب أن تربط الأبناء بالآباء، أو الأبناء بالوالدين، بدليل أن الآية نفسها في الختام تقول: وقل ربي ارحمهما كما ربياني صغيرا، أي قل بين وبين نفسك أيها المسلم، دون أن تسمعهما مكنون نفسك وما تفكر فيه من تدهور حالتهما العقلية حينما وعيت أن دورهما التربوي والنفسي قد تقلص بفعل تقدم العمر وتحول إلى مرتبة الرابطة البيولوجية ليس إلا، والتي عبرت عنها الآية بكلمة "والدين"، وأنت على وعيك بهذه الحقيقة العلمية النفسية قل بينك وبين نفسك: يا رب ارحمهما في أيامهما الأخيرة، كما قاما من قبل بوظيفتهما التربوية تجاهي. كما لاحظ أن الآية اختارت شكل الخطاب المباشر، وهو هنا ليس للرسول صلعم، كما هو الحال في كثير من المواضع القرآنية، بل الخطاب هنا خطابا عاما لكل المسلمين.
هو: حسنا، محاولة تفسيرية لا بأس بها، يمكنني قبولها مؤقتا ولكن ما رأيك إذن في هذا الحديث، لأجده يعود مرة أخرى إلى كمبيوتره المحمول، ويقرأ لي: َسُئِلَ أَبُو زُرْعَةَ عَنْ حَدِيثٍ رَوَاهُ أَبُو خَيْثَمَةَ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ ، قَالَ حَدَّثَنَا شَبَابَةُ ، قَالَ حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ مُسْلِمٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَنْ أَصْبَحَ مُرْضِيًا لِوَالِدَيْهِ أَصْبَحَ وَلَهُ بَابَانِ مَفْتُوحَانِ مِنَ الْجَنَّةِ ، وَإِنْ وَاحِدٌ فَوَاحِدٌ ، وَمَنْ أَمْسَى أَوْ أَصْبَحَ مُسْخِطًا لِوَالِدَيْهِ ، أَصْبَحَ وَلَهُ بَابَانِ مَفْتُوحَانِ إِلَى النَّارِ ، وَإِنْ وَاحِدٌ فَوَاحِدٌ فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَإِنْ ظَلَمَاهُ ، قَالَ وَإِنْ ظَلَمَاهُ وَإِنْ ظَلَمَاهُ ثَلاثَ مَرَّاتٍ.
أنا: هل تأكدت من صحة الحديث من عدمه؟
هو في حرج: لم ... لممممممم افعل بعد
أنا: لكني انا عملا بالقاعدة التي وضعها علماء النهضة في أوروبا في القرن السادس عشر "أرجعوا للمراجع!" والتي تجدها موجودة في القرآن قبل ذلك بألف سنة تقريبا حينما قال لنا قرآننا: "يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين"بحثت عن هذا الحديث من قبل حينما قرأته ذات مرة وتعجبت من عبارة "وإن ظلماه" التي تكررت ثلاث مرات، ووجدت أن هذا الحديث درجته ما بين الضعيف جدا وما بين المرسل وما بين غير الصحيح، وهو على أية حال لا يجوز العمل به ولا استنباط الأحكام الشرعية منه.
هو: حسنا سأتأكد من مقولتك هذه.
أنا: دعني اقول لك في ختام نقاشنا: الاسلام يؤكد على مبدأ الشورى، وخاصة داخل الأسرة بين الآباء والأبناء بدليل ما أورده القرآن في سورة مريم من حوار دار بين سيدنا ابراهيم وابيه، وليس والده، ولعلك تدري الفرق بينهما الآن، يدعوه فيه سيدنا ابراهيم إلى عبادة الله وترك الأصنام، كما اكد الإسلام على مبدأ تقويم الحاكم، بل وعزله إذا خرج عن منهاج الحكم الرشيد، وهذا ما قاله سيدنا أبو بكر نفسه حينما تولى الحكم: "أيها الناس إني قد وليت عليكم، ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوِّموني ... أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيتهما فلا طاعة لي عليكم." إنها مبادئ الديمقراطية الحديثة بحسب تعريف كارل بوبر، مؤسس مدرسة العقلانية النقدية في الفلسفة، لها، حينما قال أن الديمقراطية تعني قدرة الشعب على اقصاء الحاكم انتخابيا بعد أن كان اختاره من قبل عبر صناديق الانتخاب أيضا ، ولكن دعنى اتفق معك أن بعض الأنظمة السياسية عندنا تريد أن تفهم اسلامنا بهذا الشكل الديكتاتوري ليكون سندا تستند إليه في حكمها الديكتاتوري لشعوبها، فما أسهل اخضاع الشعوب والأفراد باسم الدين.
صمت محدثي ولم أعرف على وجه التحديد أكان صمت تدبر، أم صمت رفض، أم صمت اقرار بالسكوت!!!! 0