http://www.ahram.org.eg/Index.asp?CurFN=FRON8.HTM&DID=9413
(3)


نشرت بجريدة الأهرام القاهرية في عام 2005
قد تختلف معي في الرأي ولكنني سأدافع عن حقك فيه حتى الموت ... فولتير


مرسلة بواسطة
Dr. Diaa Elnaggar
unter
20:21
121
التعليقات
تأمل معي:
ليس هناك ما هو أكثر رشدا في التربية من أن تكون مثالا يحتذي به، وإذا لم يكن هذا بالمقدور، أن تكون مثالا يُفزع منه.
البرت اينشتاين
كثيرا ما اسأل نفسي عن السبب في توجهاتي السلمية وفي إيماني العميق بحقوق الإنسان وبضرورة سيادة القانون على الجميع بلا استثناء. وعندما أجلس بيني وبين نفسي استرجع شريط ذكريات طفولتي لعلي أقف على مشاهد في هذا الشريط تساعدني في العثور على بعض اللحظات الإنسانية أجدني أتوقف من بين ما أتوقف عند المشاهد الأربعة التالية: 0
المشهد الأول: إهمال العقل مهانة للحرية
المكان: في روسيا التي كان والديّ يحضران فيها رسالة الدكتوراه
الزمان: ربما كان عمري 5 سنوات
والدي يلعب معنا، أخي محمد وأنا ، لعبة لا أدري ماذا كانت ، ولكني ما أتذكره أننا أتينا بحبل وأخذنا نقيد والدي به حتى احكمنا تقييده فعلا، حتى أنه لم يستطع تخليص نفسه، ولا زلت أتذكر الشرر الذي كاد أن يهشم زجاج نظارته بسبب ذلك وكيف أن والدتي أتت وخلصته أخيرا من هذا الحبل الذي كان يقيده. وكنت أتوقع أن يقوم والدي بـ "طحننا" من الضرب، لكنه لم يفعل، بل استدعانا إليه وقال لنا بابتسامة تمنح الأمان، لا أفهم الآن على وجه الحقيقة كيف استطاع أن ينقذها من لهيب غضبه:
يا ولاد كل شيء وله حد والانسان العاقل هو اللي يعرف فين الحد اللي لازم يقف عنده. تعالوا بوسوا بابا
ولم يزد عن ذلك. 0
المشهد الثاني: كل واحد بيتعشي اللي عمله في نهاره
المكان: المدينة الطلابية بجامعة موسكو
الزمان: مَقدم الشتاء، ربما كان عمري ست سنوات
أحد مسئولي الجامعة الإداريين يأتي لأمي ويقول لها أن أولادها، أي محمد أخي وأنا، كنا سنتسبب في حريق هائل بالغابة المجاورة بالجامعة حينما احرقنا كوخا كنا قد صنعناه من صناديق التفاح الفارغة وكنا نقضي فيه أيام الصيف في الغابة ، وعندما أتى الشتاء احرقناه لانتهاء الغرض منه. 0
استدعتنا أمي في نهاية يوم لعب طويل ومرهق وكان ذلك في المطبخ الكبير للجامعة حيث ثلاجات الدارسين لها مفاتيح لإغلاقها. سألتنا أمي عن يومنا ماذا فعلنا فيه. ولم نخبرها طبعا بحرقنا للكوخ، ربما لجهلنا أنها تعلم عنه شيئا. بعدها سألتنا أمي مباشرة عن حرقنا للكوخ في الغابة المجاورة للجامعة، هل قمنا بذلك أم لا؟ أما وقد اسقط في يدنا فلم يكن أمامنا من بد سوى الإعتراف بكامل الحقيقة. بعدها سألتنا أمي دون أن تمتد يدها علينا بالضرب: 0
ماما: انتو أكيد جعانين ؟
احنا بلا تردد : أوي أوي أوي يا ماما
ماما: طيب، اتفضلوا أدي العشا بتاعكم
ووجدناها تضع أمامنا طبقا فارغا إلا من أربعة شرائح خبز توست مرشوش عليها بعض الملح وتقول لنا: 0
اتفضلوا العشا ! 0
واضطررنا لجوعنا الشديد إلى أكل هذه الوجبة السمينة رائعة المذاق!!! ومن يريد أن يعرف مدى قسوة العقاب الذي نزل بنا فليجرب هذا بنفسه، فليأكل خبزا بملح فقط، وسيعرف كم هو مؤلم هذا الطعام، لدرجة تجعلني الآن اسأل عن سر تعلقنا نحن المصريين بعبارة "عشان يبقى عيش وملح" أو "دا احنا كلنا مع بعض عيش وملح"0"
وأجدني إلى يومنا هذا أتذكر كلمات أمي لنا بعد أن تبرمنا على هذه الوجبة الفخيمة، إذ قالت لنا وقتها في هدوء يحسدها عليه ربما الهدوء نفسه: 0
كل واحد بيتعشي اللي عمله في نهاره
المشهد الثالث : إحنا مش في غابة
المكان: الجيزة، مدرسة ابن خلدون بالعجوزة
الزمان: سنة ستة ابتدائي أي في عام 1980
استاذ فايز - رحمه الله رحمة واسعة سواء أكان على قيد الحياة أم في جنات الخلد عند رحيم غفور- مدرس العلوم في المدرسة الابتدائية الذي كان مشهورا بقسوته وبضربه التلاميذ على أياديهم ومدهم (على أرجلهم) وعبطهم على ( مقعدتهم) (للأجيال الجديدة التي ربما لا تعرف هذه المصطلحات)، حيث كان الضرب وسيلة تربوية مشروعة في زمانها بصرف النظر عن رأينا فيها حاليا ، غير أنني لا أتذكر أنه عاقبنا مرة بغرض الهواية أو بغرض التنفيس عن ذاته. ينادي أستاذ فايز على اسمين : 0
ضياء النجار ومحمود فاروق ييجوا هنا عندي. 0
نقف أمامه كأننا ريشة "نُتفت" من على فرخة مذبوحة لتوها. 0
الأستاذ فايز: انتو اتخانقتوا امبارح مع بعض بعد المدرسة؟
إحنا في حنجرة واحدة، كل صوت منها يحاول أن يسبق الآخر في الإجابة: أيوه يا استاذ، بس هو اللي ... 0
يتدخل استاذ فايز مقاطعا: لما أسأل تجاوبوا، ضياء ايه اللي حصل؟
أنا: المسطرة بتاعتي أخدها محمود مني وما رضيش يرجعهالي، وعشان كده اتخانفت معاه .0
الاستاذ فايز لمحمود: حصل ده فعلا، انت خدت مسطرته؟
محمود: أيوه يا استاذ حصل .0
الاستاذ فايز: طب يا ضياء، المسطرة رجعت ليك؟
أنا كمن فتح عكا والقدس سويا: أيوة، أنا عرفت اخدها منه بالعافية امبارح ورحت حافر اسمي عليها بالمسمار والنار
الاستاذ فايز في سخرية حالمة : شاطر يا ضياء !!! 0
بعد هذه الجملة مباشرة يأمرنا استاذ فايز بخلع الاحذية والتمدد على مقعد التختة وفرد أرجلنا على سطحها ويقوم بمدنا على أرجلنا بخيزرانة سويسي من اللي بتلب، يعني تبقى منتبه وانت بتستعلمها لأنها زي السلاح الفاسد المزعوم بتاع حرب 48 ممكن تضرب للخلف وتصيبك أنت. بعدها أمرنا أستاذ فايز بالجري حتى لا تتورم ارجلنا. وبعد الجري في الممر الخارجي المؤدي إلى الفصل لمدة دقيقتين او ثلاثة استدعانا أستاذ فايز مرة أخرى ليقول لنا أمام الفصل كله : 0
إحنا مش في غابة كل واحد ياخد حقة بايده، لما يبقى في حاجة مضايقاكم تروحوا لمدرس الفصل وهو ياخدلكم حقكم. 0
المشهد الرابع وربما الأخير: الفصل كله سماح
أستاذ فايز يقف عند أول تلميذ من تلاميذ الفصل، يجهز نفسه ولو ذهنيا للعقاب الذي سينزله بهم الواحد تلو الآخر، لأن كل التلاميذ فشلوا في الإجابة الصحيحة عن سؤاله الذي طرحه. كنت أنا الوحيد الذي أفلتت من هذه النوبة العقابية للفصل كله، لأني كنت الوحيد الذي أجبت على هذا السؤال. 0 يأتي صوت محمد حشمت، تلميذ معنا ممن يتمتع بقوة البناء، من آخر الفصل يقول للأستاذ فايز: 0
محمد حشمت: أنا حاضّرب مكان سلوى يا أستاذ فايز
استاذ فايز: نعم يا حبيبي!!!!؟
محمد حشمت: معلهش يا أستاذ ، أصل سلوى عندها القلب ومش حتستحمل الضرب. 0
تشققت من بين جدران وجه أستاذ فايز السيراميكية بُصيلات من دهشة واستغراب من رد محمد حشمت هذا وما بين توقعاتي بأن ينزل بالخيزرانة على أم رأسه ليختبر مرونتها القمعية عليه وجدته يقول له ولنا جميعا: 0
أقعدي يا سلوى ، أقعد يا محمد، أقعدوا يا ولاد، المرة دي الفصل كله سماح ، وانت يا سلوى لما يكون قلبك تعبان لازم تقولي، فاهمة؟
باقة ورد إنسانية معطرة بالحب والتقدير لأبي وأمي وللاستاذ فايز الذين علموني أولى الدروس في الإنسانية. 0
مرسلة بواسطة
Dr. Diaa Elnaggar
unter
08:38
83
التعليقات
Berlin |