تأمل معي

‏إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم_حديث نبوي صحيح 0

الجمعة، 28 سبتمبر 2007

تأملات رمضانية 2: "متى استعبدتم الناس ..."، تأملات في عدل عمر بن الخطاب ومقص المونتاج وظلمنا لأنفسنا




، "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم احرارا"،

كلنا يعرف هذه العبارة وسمعها منذ نعومة الأظفار ، فهي الدليل المتجسد على عدل الإسلام وتسامحه كما يحلو لكثيرين أن يربط بين هذه العبارة وبين الموقف الذي سبق التفلظ بها. وقائل هذه العبارة هو ثاني الخلفاء الراشدين عمر بن الخطاب. ومناسبة العبارة هو موقف حدث بين ابن عمرو بن العاص، والي مصر في عهد عمر بن الخطاب، وبين أحد الأقباط (وليس بالضرورة أن يكون مسيحيا). واسمحوا لي أن أنقل من أحد المواقع الإسلامية وهي كثيرة جدا، موقف الحدث وهو مأخوذ من الموقع الرسمي للاستاذ عمرو خالد، وعنوانه http://www.amrkhaled.net/articles/articles470.html

وهو عبارة عن حوار أجراه أحد الأشخاص واسمه عصام الغازي لمجلة كل الناس بتاريخ 1 ديسمبر 2004 مع الاستاذ عمرو خالد وفيه يقول عمرو خالد بالنص الآتي:

ابن الأكرمين
تعال نتناول نقطة أخرى..هي التسامح الديني. انظر ماذا يحدث للمسلمين الآن في كل الأرض. تستطيع أن تجد دماءً للمسلمين على أي بقعة من الأرض. لكن المسلمين حين قادوا الدنيا ماذا فعلوا؟ عمر بن الخطاب يرسل عمرو بن العاص ليقود مصر، ومصر كان بها المسلم والقبطي. ويحدث سباق رياضي، ينتهي بين اثنين: ابن عمرو بن العاص وقبطي. ويفوز القبطي. ويغضب ابن عمرو بن العاص، ويأتي بالسوط ويضرب رأس القبطي ويقول له:أنا ابن الأكرمين. لكن القبطي يعلم أن المسلمين شرفاء لا يعرفون الحقد. ويخرج القبطي من مصر إلى المدينة المنورة ويقابل عمر بن الخطاب ويقول له: ضربني وقال لي أنا ابن الأكرمين.ويرسل عمر بن الخطاب إلى عمرو:احضر إليّ أنت وابنك.ويحضر إلى المدينة عمرو بن العاص وابنه. ويأخذ عمر بن الخطاب السوط ويعطيه للقبطي ويقول له: اضرب ابن الأكرمين. ويضرب القبطي ابن عمرو بن العاص. ثم يقول عمر بن الخطاب: أدرها على صلعة عمرو.فيقول القبطي: لم يضربني عمرو.فيقول عمر: إنما ضربك ابنه بسوط وسلطان أبيه. ثم ينظر إلى عمرو بن العاص ويقول له: متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟"

ومضمون هذه القصة – مع اختلاف اللفظ – موجود في مواقع إسلامية وغير إسلامية كثيرة جدا، وهو نفس المضمون الذي سمعته ذات مرة من أحد خطباء الجمعة تدليلا على عدل الإسلام وسماحته. ولكني وأنا أستمع إلى الخطبة دارت في عقلي بعض التساؤلات، إذ أن القصة كما رواها الخطيب بدت لي غير متناسقة الحدث، حيث قلت لنفسي وأنا أسمتع لخطبة الجمعة:

أولا: لماذا يتوجه الرجل مباشرة إلى جهة الاختصام الأعلى على الإطلاق وهو أمير المؤمنين شخصيا، ألم يكن من المنطقي أن يتوجه أولا إلى عمرو بن العاص نفسه الذي هو ممثل أمير المؤمنين في مصر، ما الذي دعا الرجل إلى تجاوز درجات التقاضي المعتادة ويتوجه إلى المدينة المنورة لمقابلة عمر بن الخطاب شخصيا؟ صحيح أن ابن عمرو بن العاص طرف في الخصومة مع الرجل ولكن أليس العدل هو العدل بصرف النظر عن أطراف الخصومة؟

ثانيا: ما الذي دعا هذا القبطي إلى "دب" كل المشوار ده من المحروسة إلى المدينة المنورة لمقابلة عمر بن الخطاب ليتقدم له بشكواه من ابن عمرو بن العاص، وهو مشورا ربما استغرق شهرا أو يزيد ومعاناة لا بأس بها؟

ثالثا: لا بد أن الرجل كان من وجهاء قومه، فامتلاكه لخيل سباق واصراره على الأخذ بحقه ممن ظلمه كلها إشارات على مكانة الرجل الإجتماعية ومدى الإهانة التي تعرض لها على يد ابن عمرو بن العاص.

وبعد صلاة الجمعة توجهت إلى المنزل وحاولت أن أجد إجابات عما دار برأسي وأنا أستمع لهذه الحكاية. فوقعت على أصل الحكاية بدون "مونتاج" وأقدمها بين يديكم كالتالي:

قال انس بن مالك: كنا عند عمر بن الخطاب اذ جاء رجل من اهل مصر، فقال: يا أمير المؤمنين، هذا مقام العائذ بك! قال: ومالك قال: اجرى عمرو بن العاص بمصر الخيل، فأقبلت فرسي، فلما رآها الناس قام محمد بن عمرو، فقال: فرسي ورب الكعبة فلما دنا مني عرفته فقلت: فرسي ورب الكعبة فقام الي يضربني بالسوط، ويقول: خذها وانا ابن الاكرمين! وبلغ ذلك عمروا اباه فخشي ان آتيك فحبسني في السجن فانفلت منه، وهذا حين اتيتك، فوالله ما زاد عمر على ان قال له: اجلس! ثم كتب الى عمرو: اذا جاءك كتابي هذا فأقبل، وأقبل معك بابنك محمد! وقال للمصري: اقم حتى يأتيك، فدعا عمرو ابنه، فقال: ااحدثت حدثا؟ اجنيت جناية؟ قال: لا. قال: فما بال عمر يكتب فيك؟ فقدما على عمر، قال انس: فوالله انا عند عمر، اذا نحن بعمرو وقد اقبل في ازاره وردائه، فجعل عمر يلتفت هل يرى ابنه، فإذا هو خلف ابيه، فقال: اين المصري؟ قال: ها انا ذا، قال: دونك الدرة فاضرب بها ابن الاكرمين، فضربه حتى اثخنه ونحن نشتهي ان يضربه، فلم ينزع حتى احببنا ان ينزع من كثرة ما ضربه، وعمر يقول: اضرب ابن الاكرمين. ثم قال: اجلها على صلعة عمرو، فوالله ما ضربك الا بفضل سلطانه، قال: يا أمير المؤمنين قد استوفيت واشتفيت. وقال: يا امير قد ضربت من ضربني! قال: اما والله لو ضربته ما حلنا بينك وبينه حتى تكون انت الذي تدعه. ايا عمرو! متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم امهاتهم احرارا؟ فجعل يعتذر ويقول: اني لم اشعر بهذا. ثم التفت عمر الى المصري فقال: انصرف راشدا فإن رابك ريب فاكتب إلي!



وبعد قراءة القصة الأصلية بدون "مونتاج" وجدت الإجابة عما دار برأسي من تساؤلات:
لم يتوجه الرجل إلى عمرو بن العاص لأن عمرو بن العاص نفسه كان طرفا في الخصومة إذ حبس عمرو بن العاص الرجل خشية أن يتوجه الرجل بشكواه إلى أمير المؤمنين.

بعد أن حصلت على الإجابة بحثت عن القصة على شبكة الإنترنت فلم أجدها كاملة، أي غير "ممنتجة" إلا في بعض المواقع التي لا يزيد عددها عن أصابع اليد الواحدة، أما القصة الممنتجة فمنتشرة آلاف المرات على مواقع شبكة الانترنت، الإسلامية منها وغير الإسلامية، ومن أشهرها

http://www.amrkhaled.net/articles/articles470.html موقع عمرو خالد
http://audio.islamweb.net/audio/index.php?page=FullContent&audioid=141586 الشبكة الإسلامية
http://www.dialogueonline.org/dialogue1.htm موقع المنتدي الإسلامي العالمي للحوار
http://www.kuftaro.org/Arabic/Lecture_Archive/2003-06-20.htm موقع مفتي سوريا السابق
http://www.kuftaro.org/Arabic/Radio_1960/34.htm نفس الموقع
http://www.qaradawi.net/site/topics/article.asp?cu_no=2&item_no=1337&version=1&template_id=93&parent_id=12 موقع الشيخ القرضاوي

بعد هذه النتيجة الإحصائية المذهلة قفر إلى رأسي سؤال أهم: لماذا النسخة المشهورة بيننا هي النسخة "الممنتجة"، النسخة التي تحذف عن عمد ما فعله عمرو بن العاص بهذا القبطي، لماذا؟
هل لأنه معدود من بين الصحابة ولا نريد أن نلوث سيرته بمثل هذه الواقعة؟
هل لأن ذكر هذه الواقعة سيتعارض مع عظة القصة القائلة بعدل الإسلام وتسامحه؟ فلا مانع إذن من بعض المونتاج طالما صدقت النية؟؟؟؟؟

واليقين عندي أن عرض القصة "ممنتجة" هو خطأ غير مبرر واليقين عندي أيضا أن خطأ بعض الأشخاص لا ينسحب بأي حال من الأحوال على جوهر الدين. فإذا كان عمرو بن العاص أخطأ وتحزب لابنه فهل سينتقص هذا من الإسلام شيئا؟

إننا بهذا الشكل من أشكال المونتاج نظلم أنفسنا حينما نجعل من أنفسنا ومن غيرنا "عبيدا" للجهل حينما نحجب الحقيقة وقد خلقنا الله - بما وهبنا من العقل وحرية الفكر - "أحرارا".




الصورة مأخوذه من الموقع التالي: www.sis-silke-schmidt.de/galerie_emotionen.htm

السبت، 15 سبتمبر 2007

تأملات رمضانية

المشاهد التالية ليس بالضرورة أنها وقعت في رمضان لكنها تأملات عن أحوال المسلمين تصلح لشهر رمضان وغير شهر رمضان


المشهد الأول:

في مكان ما من ألمانيا

في الصيف

أربعة من جامعة الأزهر، معيدون ومدرسون مساعدون، يدرسون علوم اللغة الألمانية وآدابها، يبحثون عن جامع يصلون فيه صلاة الجمعة الأولي لهم في هذه المدينة. يرون أحد أهالي المدينة ممن يتمتع بملامح عربية، يتوجهون إليه ويسألونه بالألمانية عن مكان الجامع. يدور بينهم وبينه، وهم في طريقهم للجامع هذا الحوار، ولكن بالعربية هذه المرة بعد أن تم التعارف السريع واتضح أنهم كلهم من المتحدثين بلغة الضاد.

هو: والأخوة من وين؟
هم: من مصر، وحضرتك؟
هو: من فلسطين
هو: وايش بيعمل الأخوة هنا في ألمانيا؟
هم: عندنا منحة لتجميع المادة العلمية اللازمة لرسائلنا العلمية
هو: وايش بيدرس الأخوة؟
هم: الجرمانستك
هو: وايش يطلع هذا الجرمانستك؟
هم: علوم اللغة الألمانية وآدابها
هو: وايش يفيد هذا الجرمانستك الإسلام؟ ودون أن ينتظر منهم أي إجابة أردف قائلا: هذا والله علم الظلاله (أي الضلالة).
هم: هو ده الجامع مش كده؟
هو: أي نعم، هو ده المسجد، اتفضلوا
هم: حضرتك الأول، وبعدين احنا
هو: لا والله، اتفضلوا انتم، أصلي أنا ورايا مواعيد ومش فاضي النهار ده، بس يا ريت يا أخوة تدرسوا حاجة تانية غير هذا الجرمانستك، لأنه علم الظلاله!!!!

المشهد الثاني:

في أحد المساجد الصغيرة في القاهرة المحروسة

بعد آذان صلاة العصر في إنتظار إقامة الصلاة

أحد المصلين ومصلى آخر

المصلي أ: يا عم الشيخ ما تقيم الصلاة والنبي!
المصلى ب: هو كان جامع أبوك، تقيم الصلاة على مزاجك، مش قادر تستني العشر دقايق بين الآذان والإقامة؟!
المصلي أ: معلهش، أصلي أنا مشواري بعيد وعايز ألحق المترو
المصلي ب: ايه يعني رايح فين إن شاء الله؟
المصلي أ: رايح حلوان
المصلي ب: يا نهار منيل، حلواااااااااااااان، ده مشوار سقع بجد، بقولك ايه يا عم الشيخ، قيم له الصلاة قيم!!!


المشهد الثالث:

في مكان ما من ألمانيا، وبالتحديد في مدينة كارلسروها
أنا: أزيك يا ام عصام؟
هي: بخير والحمد لله، وانتم أخباركم ايه؟
أنا: نحمد الله، كله تمام، بنستعد لرحلة الرجوع للوطن، وانتي، مش المفروض برضه منحتك خلصت؟
هي: أيوه، لكن احنا مش راجعين
أنا: ازاي يعني؟
هي: جوزري سجل في الجامعة هنا وعلى حس التسجيل ده حنقعد في البلد دي، حيشتغل وأنا كمان
أنا: ايوه، بس لما الجامعة تبعت انه ما بيحضرش المحاضرات والامتحانات؟
هي: يلغي تسجيله في الجامعة دي ويسجل في غيرها وهكذا
أنا: بس ليه حتعملوا كده؟
هي: والله بص، بلاد الكفر حالها ما هو حال، لكن بلادنا برضه المعايش فيها صعبة، وعشان كده حنقعد هنا

تركتها ومازالت جملة "بلاد الكفر حالها ما هو حال" ترن رنينا مدويا في عقلي قبل أذني.


المشهد الرابع:

في مكان ما في القاهرة

في شهر رمضان، الساعة الثانية ظهرا
عم مختار بائع الفاكهة المعروف عنه هدوئه وتجنبه المشاجرات والمشاكل حتى أنه أصبح مصلح النفوس بين المتشاحنين من التجار، يمسك بخناق أحد الصبية الذي دخل أعتاب الشباب. يتجمع حشد من المارة الذين يعرفون الرجل يحاولون تخليص الصبي من أنياب يديه، وهو مصر على عدم ترك الصبي إلا بعد تأديبه عقابا له على فعلته.

هم: يا عم مختار ما تسيب الولد، هو عملك ايه؟
هو: مش حاسيب دين أمه النهارده.
هم: استغفر الله يا عم مختار، دا احنا عمرنا ما شفناك متنرفز كده، هو اللي بس حصل؟
هو: الواد ابن دين الكلب ده، بيهزر مع واد صحبه وراح شاتمه بالدين في عز نهار رمضان وعشان كده مش حاسيبه إلا لما يتأدب.
هم: ما هو خلاص يا عم مختار أخد كام قلم حلوين منك على وشه، سيبه بقى
هو: عارف تسب الدين تاني في رمضان ...

ترك عم مختار الصبي وتوجه إلى كرسيه الملاصق لعربة الفاكهة، يجلس عليه، ويتناول آخر رشفة من كوب الشاي البارد وآخر أنفاس حجر الشيشة التي كان يدخن فيها في هدوء إلى أن قطع هذا الصبي بسبابه الدين حُرمة هذا الشهر الفضيل عند هذا الرجل الفضيل.

مشهد الختام
القاهرة، عند أحد موائد الرحمن المنتشرة في عرض البلاد وطولها
قبل آذان المغرب بدقائق معدودات
يتقدم رجل بأرجل مرتعشة نحو الرجل المسئول عن تنظيم المائدة ثم يولي عنه الأدبار فيصيح به مسئول المائدة أن يأتي:
الرجل: أنا كنت عايز أفطر معاكم؟
مسئول المائدة: يا راجل وهي دي حاجة محتاجة استئذان، طب وإيه اللي مشاك؟
الرجل في تردد : أصلي أنا مش مسلم
مسئول المائدة: يا سيدي هي اسمها ايه، مائدة المسلمين ولا مائدة الرحمن؟
الرجل: ما ئدة الرحمن
مسئول المائدة: طيب، طالما إن رحمته بتظل كل العباد أتفضل اقعد وافطر معانا

يجلس الرجل، وما هي إلا لحظات حتى كان الرجل يضع أولى التمرات بين شفتيه، متمتما مع آذان المغرب كلمات لم استبين لفظها لكني فهمت مقصدها من حركة يده.