بمناسبة إعادة صحف دنماركية لنشر أحد الكاريكاتيرات "المسيئة" للرسول، عليه أفضل الصلاة والسلام، أعيد أنا الآخر نشر لقاء للأديب الألماني جونتر جراس الحائز على جائزة نوبل للآداب ترجمته له في أعقاب نشر الرسوم الكاريكاتيرية في المرة الأولى وظهرت هذه الترجمة في جريدة أخبار الأدب المصرية. وكانت تلك الترجمة هي محاولتي المتواضعة لتقديم رد عقلاني وهادئ من المعسكر الغربي نفسه على تلك الرسوم للقارئ العربي الذي ربما قد يتحاور مع أحد الغربيين حول هذه الرسوم وحول مسألة حرية الرأي، على غرار "وشهد شاهد من أهلها".
الأحد 26 من فبراير 2006- م 27 من محرم 1427 - العدد 659 السنة -ه
جونتر جراس:الصحيفة التي أساءت للرسول تشبه صحف النازي
ترجمة : د. ضياء النجار
نشرت جريدة "الباييس" الأسبانية لقاء مع خوسيه ساراماجو وجونتر جراس، الحائزين علي جائزة نوبل للآداب بشأن الصراع الدائر بخصوص الكاريكاتيرات المسيئة للرسول محمد. كلا الكاتبين انتقد بحدة نشر هذه الرسوم الكاريكاتيرية وحمل الغرب مسئولية تصعيد الأزمة. ونحن هنا ننشر اللقاء الذي تم مع جونتر جراس.
- نعم ولا. كلنا يعرف أن هناك قانونا، أكان مكتوبا أم غير مكتوب، يحرم تصوير الله ورسوله محمد علي حد سواء في العالم الإسلامي، فالأمر يتعلق هنا إذن باستفزاز قصدته وخططت له جريدة دنماركية يمينية. كانت هذه الجريدة قد نظمت مسابقة كاريكاتيرية رفض البعض المشاركة فيها ملمحين إلي تحريم تصوير الرسول تصويرا مرسوما. بل أن الصحيفة استشارت خبيرا إسلاميا دنماركيا حذرهم من القيام بهذا الأمر. غير أن المسئولين عن الجريدة واصلوا بالرغم من ذلك فعلتهم، لأنهم يمينيون متطرفون مناهضون للأجانب.
- هل فوجئتم بالتجاوزات المصحوبة بالعنف التي وقعت في عدد من البلدان؟
- نحن نعيش في عصر تتلاحق فيه أعمال العنف، الواحد تلو الآخر. لقد قام الغرب بأول عمل من أعمال العنف هذه حينما غزا العراق. واليوم نحن علي علم بأنه من خلال هذا الغزو تم خرق القانون الدولي. لم يكن لشن الحرب أي أساس سوي الحجج الأصولية التي ساقها بوش عن الصراع بين الخير والشر. أما ما نراه اليوم فهو الرد الأصولي علي فعل أصولي. إن ما نشهده ها هنا ليس بصراع ثقافات بأي حال من الأحوال، بل هو بالأحري صراع بين "لا ثقافتين".
- ماذا يجب القيام به حيال ذلك؟ هل تمثل الرقابة الذاتية حلا من الحلول؟
- يدور حاليا في الغرب نقاش مغرور عن المبدأ القائل بحقنا في حرية الصحافة. غير أن من لا يريد أن يمارس ها هنا خداع النفس عليه أن يعرف تمام المعرفة أن الصحف تستمد أسباب حياتها من الإعلانات، وأنها عليها أن تضع في حسبانها ما تمليه عليها قوي اقتصادية بعينها: فالصحافة نفسها جزء من مجموعات هائلة من الشركات تستقطب الرأي العام. لقد فقدنا الحق في البحث عن الحماية في إطار الحق في حرية التعبير، فنحن لا نزال إلي الآن في عصور تجرم العيب في الذات الملكية. كما لا يجدر بنا أن ننسي أنه هناك أماكن لا تعرف الفصل بين الدولة والكنيسة. من أين أتي الغرب بتلك الغطرسة التي يريد بها أن يحدد ما يحق فعله وما لا يحق؟ نصيحتي الحقيقية للكل أن يتأملوا الكاريكاتيرات عن كثب: إنها تذكرنا بتلك الجريدة المشهورة من عصر النازية، جريدة "المقتحم". فهناك كانت تنشر كاريكاتيرات معادية للسامية بذات الأسلوب. لا يمكننا أن نفرض الحق في حرية التعبير دون أن نحلل الوضع الفعلي لحرية التعبير في الغرب.
- هل يعتبر هذا تعبيرا عن "صراع الثقافات"؟
- إن هذا ما يريده أصوليون علي كلا الجانبين. لكن علينا البدء في أن ننظر للأمر بشكل متمايز. لقد كان من حسن حظنا أننا عايشنا عصري النهضة والتنوير، وعشنا معهما عملية مؤلمة، جلبت لنا طائفة من الحريات لا تزال إلي الآن عرضة للخطر. أما العالم الإسلامي فلم يعش مثل هذه العملية، فهو يمر الآن بمرحلة تطور مختلفة، وعلينا أن نحترم هذا.
- هل سيستمر الأمر في المستقبل بمثل هذا الوضع المتفجر حاليا؟
- أخشي هذا: فالجراح شديدة العمق، ليس في الدول العربية فحسب، بل في الدول الفقيرة. يبدو أنه ليس في مقدور الغرب أن يجد طريقا لاحترام هذه الدول علي أنها شركاء متساوون. لم يتح لهذه الدول نفس الظروف التي نطالب بها لأنفسنا. في السبعينيات من القرن الماضي كتب فيلي براند بتكليف من الأمم المتحدة تقريرا عن إشكالية الجنوب والشمال وتنبأ فيه بالصعوبات التي نواجهها اليوم. لا يزال هذا التقرير محتفظا إلي اليوم بحيويته التي كان عليه يوم صدوره.
- هل لديكم خبرات شخصية بالتعصب؟
- لقد شهدت بوصفي كاتبا بعض التعصب. عندما نشرت رواية "الطبلة الصفيح"، رفع ضد الكتاب عدة قضايا، واتهموه بالتجديف والدعارة، في الدول الشيوعية، في أسبانيا والبرتغال علي حد سواء، حيث حظر فيها الكتاب. من عامين مضيا تقابلنا في اليمن مع كتاب غربيين وعرب للحديث عن موضوعات أدبية، ومن بينها أيضا الجنس. لم يكن هذا الموضوع مألوفا بالنسبة للعرب، غير أن النقاش كتب له النجاح في نهاية الأمر. يمكننا الحديث عن كل شيء، حتي عن الموضوعات المفعمة بالأزمات، إذا تحلي كل شخص بالتسامح الذي ينتظره أيضا من الآخرين، حتي لو كان لديه تصور آخر عن الثقافة التي يحكمها تابوهات خاصة بها.









